Translate سكا.....

الثلاثاء، 3 مايو 2022

كتاب عن ترك الصلاة

كتاب عن ترك الصلاة
الترك لغة:
مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ:تَرَكْتُ الشَّيْءَ تَرْكًا، أَيْ خَلَّيْتُهُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مَادَّةِ (ت ر ك) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى [التَّخْلِيَةِ عَنِ الشَّيْءِ] وَهُوَ قِيَاسُ البَابِ، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى الْبَيْضَةُ بِالْعَرَاءِ تَرِيكَةً، وَتَرِكَةُ المَيِّتِ:مَا يَتْرُكُهُ مِنْ تُرَاثِهِ،وَقَالَ الرَّاغِبُ:تَرْكُ الشَّيْءِ: رَفْضُهُ قَصْدًا وَاخْتِيَارًا أَوْ قَهْرًا وَاضْطِرَارًا، وَمِنَ الأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ {كَم تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} وَالتَّرِيكَةُ مِنَ النِّسَاءِ: الَّتِي تُتْرَكُ فَلاَ يَتَزَوَّجُهَا أَحَدٌ.
وَقَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: التَّرْكُ: وَدْعُكَ الشَّيْءَ، يُقَالُ: تَرَكَهُ يَتْرُكُهُ تَرْكًا وَاتَّرَكَهُ. وَالتَّرْكُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ} أَيْ أَبْقَيْنَا عَلَيْهِ، وَفِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: [العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ. فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ] وَقِيلَ: أَرَادَ المُنَافِقِينَ؛لأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ رِيَاءً وَلاَ سَبِيلَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ .
الصلاة اصطلاحًا:
(انظر صِفَة الصَّلاَة).
ترك الصلاة اصطلاحًا:
أَنْ يَدَعَ الإِنْسَانُ إِقَامَةَ الصَّلاَةِ المَفْرُوضَةِ عَمْدًا(1).
ترك الصلاة وإضاعة الصلاة والسهو عن الصلاة:
أَمَّا تَرْكُ الصَّلاَةِ: فَهُوَ عَدَمُ إِقَامَتِهَا عَمْدًا،وَأَمَّا إِضَاعَتُهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَلَيْسَ مَعْنَى أَضَاعُوهَا تَرَكُوهَا بِالكُلِّيَّةِ. وَلَكِنْ أَخَّرُوهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا .
__________
(1) كتاب الصلاة لابن القيم (1‍2‍).

(1/1)


وَقَالَ القُرَظِيُّ(مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ): هِيَ إِضَاعَةُ كُفْرٍ وَجُحُودٍ بِهَا وَقِيلَ: إِضَاعَةُ أَوْقَاتِهَا وَعَدَمُ القِيَامِ بِحُقُوقِهَا .
أَمَّا السَّهْوُ عَنِ الصَّلاَةِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَدِيدَةٍ ذَكَرَ مِنْهَا الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ:
1- تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا .
2- وَقِيلَ عَنَى بِذَلِكَ (بِالسَّهْوِ) أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَهَا فَلاَ يُصَلُّونَهَا .
3- يَتَهَاوَنُونَ بِهَا وَيَتَغَافَلُونَ عَنْهَا.
حكم ترك الصلاة:
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: [لاَ يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ تَرْكَ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَمْدًا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ إِثْمَهُ عِنْدَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ إِثْمِ قَتْلِ النَّفْسِ، وَأَخْذِ الأَمْوَالِ، وَمِنْ إِثْمِ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَنَّهُ مُتَعَرِّضٌ لِعُقُوبَةِ اللهِ وَسَخَطِهِ وَخِزْيِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ يَكْتُبُ إِلَى الآفَاقِ،أَنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلاَةُ، فَمَنْ حَفِظَهَا،حَفِظَ دِينَه، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ، وَلاَ حَظَّ فِي الإِسْلاَمِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ، وَالصَّلاَةُ أَوَّلُ فُرُوضِ الإِسْلاَم، وَهِيَ آخِرُ مَا يُفْقَدُ مِنَ الدِّينِ، فَهِيَ أَوَّلُ الإِسْلاَمِ وَآخِرُهُ، فَإِذَا ذَهَبَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ فَقَدْ ذَهَبَ جَمِيعُهُ،وَكُلُّ شَيْءٍ ذَهَبَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ فَقَدْ ذَهَبَ جَمِيعُهُ](1).
__________
(1) انظر كتاب الصلاة لابن القيم ( 1‍2‍، 2‍2‍).

(1/2)


وَقَدْ عَدَّ ابْنُ حَجَرٍ تَعَمُّدَ تَرْكِ الصَّلاَةِ مِنَ الْكَبَائِر، وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} (المدثر/42 ـ 43) وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ J أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ كَافِرٌ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَأْيُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ لَدُنِ النَّبِيِّ J أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا كَافِرٌ، وَقَالَ أَيُّوبُ: تَرْكُ الصَّلاَةِ كُفْرٌ لاَ يُخْتَلَفُ فِيهِ(1).
الآيات الواردة في "ترك الصلاة"
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً(142)}(2)
{مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ(54)}(3)
{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)}(4)
{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ(5)الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(6)وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ(7)}(5)
الأحاديث الواردة في ذَمِّ "ترك الصلاة"
1-*( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
J:[بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ ])*(6).
__________
(1) الزواجر لابن حجر (2‍7‍1‍).
(2) النساء : 142 مدنية
(3) التوبة : 54 مدنية
(4) مريم : 59 مكية
(5) الماعون : 4 – 7 مكية
(6) مسلم (2‍8‍).

(1/3)


2-*( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ J: [عُرَى الإِسْلاَم، وَقَوَاعِدُ الدِّينِ ثَلاَثَةٌ عَلَيْهِنَّ أُسِّسَ الإِسْلاَمُ، مَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ بِهَا كَافِرٌ، حَلاَلُ الدَّمِ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَالصَّلاَةُ الْمَكْتُوبَةُ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ ])*(1).
3-*( عَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
Jيَقُولُ: [الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ])*(2).
4 - *( عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلاَةِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ
J قَالَ: [ مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ])*(3).
الأحاديث الواردة في ذَمِّ "ترك الصلاة" معنًى
5 - *( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ
J قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ: [لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ ])*(4).
__________
(1) رواه أبو يعلى في مسنده بإسناد حسن(3‍/13) ح(2345) من رواية حماد بن زيد عن عمرو بن مالك الذكري وهو صدوق،، وثقه ابن حبان (التهذيب (8‍/96) والتقريب (426) والحديث حسنه الهيثمي في الزوائد (1‍/47) والمنذري في الترغيب والترهيب (1‍/379).
(2) الترمذي (1‍2‍6‍2‍) واللفظ له. والنسائي (1‍/1‍3‍2‍).. وأحمد (5‍/6‍4‍3‍)، وصححه الحاكم (1‍/6‍، 7‍) ووافقه الذهبي . وقال محقق [جامع الأصول] (5‍/204): وهو حديث صحيح.
(3) البخاري - الفتح 2‍(3‍5‍5‍).
(4) مسلم (2‍5‍6‍).

(1/4)


6- *( عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ J قَالَ:[الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاَةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ(1) وَمَالَهُ ])*(2).
7 - ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ
J:[لَيْسَ صَلاَةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلاً مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لاَيَخْرُجْ إِلَى الصَّلاَةِ بَعْدُ ])(3).
8-*(عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ـ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ
J يَقُولُ، عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: [ لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ(4) الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ])*(5).
من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذَمِّ "ترك الصلاة"
1 - *( قَالَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ:[مَنْ تَرَكَ صَلاَةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا، فَقَدْ بَرِىءَ مِنَ اللهِ وَبَرِىءَ اللهُ مِنْهُ])*(6).
2-*( عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (مريم/59) قَالَ: [هُوَ نَهَرٌ فِي جَهَنَّمَ خَبِيثُ الطَّعْمِ بَعِيدُ الْقَعْرِ])*(7).
__________
(1) وتر أهله: أي فقد أهله.
(2) البخاري - الفتح 2‍(2‍5‍5‍). ومسلم (6‍2‍6‍) متفق عليه.
(3) البخاري - الفتح 2‍(7‍5‍6‍) واللفظ له. ومسلم (1‍5‍6‍).
(4) ودعهم: أي تركهم.
(5) مسلم (5‍6‍8‍).
(6) المرجع السابق (2‍/7‍9‍8‍).
(7) الصلاة، لابن القيم (0‍4‍).

(1/5)


3 -*( عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي: يَاأَبَتَاهُ أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ } (الماعون/5) أَيُّنَا لاَ يَسْهُو، أَيُّنَا لاَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ؟ قَالَ:لَيْسَ ذَاكَ، إِنَّمَا هُوَ إِضَاعَةُ الْوَقْتِ بِلَهْوٍ حَتَّى يَضِيعَ الْوَقْتُ])*(1).
4 - *( عَنْ مَعْقِلٍ الْخَثْعَمِيِّ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ امْرَأَةٍ لاَ تُصَلِّي؟ فَقَالَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ:[ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ ])*(2).
5-*( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ:[ نُبِّئْتُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ الإِسْلاَمَ: تَعْبُدُ اللهَ،وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الَّتِي افْتَرَضَ اللهُ تَعَالَى بِمَوَاقِيتِهَا، فَإِنَّ فِي تَفْرِيطِهَا الْهَلَكَةَ])*(3).
6-*( قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: [كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ آخِرُهُ فَقَدْ ذَهَبَ جَمِيعُهُ، فَإِذَا ذَهَبَتْ صَلاَةُ الْمَرْءِ ذَهَبَ دِينُهُ ])*(4).
__________
(1) الترغيب والترهيب للمنذري (1‍/7‍8‍3‍). وقال: رواه أبويعلى بإسناد حسن.
(2) المرجع السابق (2‍/8‍9‍8‍).
(3) المرجع السابق (2‍/7‍9‍8‍) .
(4) كتاب الصلاة لابن القيم ( 6‍1‍/ 1‍2‍-2‍2‍).

(1/6)


7-*(قَالَ الإِمَامُ أَبُو عَبْدِاللهِ الْمَرْوَزِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: [ لَقَدْ شَدَّدَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْوَعِيدَ فِي تَرْكِهَا، وَوَكَّدَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ J بِأَنَّ تَارِكَهَا يَخْرُجُ مِنَ الإِيمَانِ بِتَرْكِهَا، وَلَمْ تُجْعَلْ فَرِيضَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَلاَمَةً بَيْنَ الْكُفْرِ وَالإِيمَانِ إِلاَّ الصَّلاَةُ، فَقَالَ: لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ مِنَ الإِيمَانِ إِلاَّ تَرْكُ الصَّلاَةِ] فَأَخْبَرَ أَنَّهَا نِظَامٌ لِلتَّوْحِيدِ، وَيَكْفُرُ بِتَرْكِهَا، كَمَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ التَّوْحِيدِ])*(1).
8-*(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ يَقُولُ: كَانَ رَأْيُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ لَدُنِ النَّبِيِّ
J: أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا كَافِرٌ ])*(2).
من مضار "ترك الصلاة"
(1) طَرِيقٌ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمِلَّةِ.
(2) اسْتِحْقَاقُ سَخَطِ اللهِ وَغَضَبِهِ.
(3) حُلُولُ النِّقَمِ وَذَهَابُ النِّعَمِ .
(4) دَلِيلٌ عَلَى قِلَّةِ تَوْفِيقِ الْمَرْءِ وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ .
(5) الْبُعْدُ عَنِ اللهِ وَالْبُغْضُ مِنَ النَّاسِ .
(6) يُورِثُ الْهَوَانَ وَالذُّلَّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ .
(7) يُحْشَرُ صَاحِبُهَا مَعَ هَامَانَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ.
(8) يُحْرَمُ صَاحِبُهَا نِعْمَةَ لِقَاءِ اللهِ وَيُسَمَّى مُضَيِّعًا لأَمَانَةِ اللهِ.
(9) يُحْرَمُ مِنْ أَهَمِّ مَصْدَرٍ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَزِيَادَةِ الْحَسَنَاتِ.
__________
(1) تعظيم قدر الصلاة للمروزي (1‍/2‍3‍1‍).
(2) الترغيب والترهيب للمنذري (1‍/6‍8‍3‍).


تأملات في فضل الصلاة *ومكانتها فــي القرآن والسنة الدكتور/ سليمان الصادق البيرة مكة المكرمة 

 المقدمــــة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد الصادق الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، وأزواجه أمهات المؤمنين، ومن اتبع سبيله إلى يوم الدين. وبعد:

فهذا بحث فـي موضوع الصلاة بعنوان ((تأملات في فضل الصلاة ومكانتها في القرآن والسنة)) والحديث عن الصلاة حديث محبب إلى نفس كل مسلم، فالعلاقة بين المسلم وبين الصلاة علاقة قوية وطيدة، فهي عمود إسلامه، وهي فرض الله عليه فـي اليوم والليلة خمس مرات بعد أن يكلف بها. وهي العبادة المشتملة على أفعال وأقوال تعكس غاية الذل والخضوع لله تعالى. ولما كان الإنسان قد اختاره الله تعالى  ليكون خليفة فـي الأرض: يخلف من قبله، ويخلفه من بعده لتستمر مسئوليته فـي الحياة كان لا بد له من عبادة تناسب مركزه فـي الكون ومسئوليته فـي الحياة، وتتلاءم مع فطرته، ومع المهمة الملقاة على عاتقه، والواجبات التي يجب أن يقوم بها.

فكانت الصلاة المفروضة هي العبادة المناسبة لذلك كله فجاءت بمثابة اللباس المفصول على قامته من غير طول وفضول ومن غير قصر وضيق([1])، والمسلم يحس بقيمة الصلاة وفضلها، وأثرها فـي حياته، فهو سعيد بها، وحريص عليها، يهتم ويغتم لها، ويفرح بأدائها. ما أقامها إلا مؤمن، وما فرط فيها إلا هالك فـي دنياه  وأخراه. فالحديث عن هذه الفريضة الشريفة الرفيعة حديث له طعمه، وخصوصيته، وله مكانته عند المسلم فهو يتصل بأعظم ركن من أركان الإسلام الخمسة بعد ركن الشهادتين، وفـي الصلاة سر عجيب لا يعرفه إلا من أقامها، فهي نور فـي الوجه، وانشراح فـي الصدر، وطمأنينة فـي النفس، وقوة فـي القلب، وثبات فـي الخطى، وتوفيق، وتسديد فـي الأمور، وتيسير فـي الحياة، وسعة فـي الرزق، ومحبة من الخلق، وزيادة فـي الإيمان وعافية فـي البدن.

( ب )

 
وهي شعار العبودية، ودليلها وهي حفظ، وستر، ورفعة، وعزة وكرامة، وغنى بالله عما سواه، وهي النجاة من كل شدة ومحنة وإحنة ، وهي الفرج من كل كرب، وهم وغم، وضيق ونكد، وشقاق، وخلاف، وهي سفينة النجاة من بحور مشاكل الحياة، وهمومها وغمومها، وهي البرد والسلام من لفح رياح الحياة الحارة، وهي الواحة الخضراء الجميلة التي يأوي إليها المصلي من صحراء الهموم القاحلة.

وهي العقل والقلب، والعاطفة والوجدان والشعور، وهي كل شيء فـي حياة صاحبها. بصلاحها تصلح أعماله، وبفسادها تفسد حياته كلها، ويلقى الخسران والندامة فـي الآخرة.

( ج )

 
والحديث عن الصلاة فـي آثارها المتعددة لا يسعه رحب الأرض الواسع.

ومما تحسن الإشارة إليه والتنبيه عليه فـي هذا المقام أنه ينبغي أن تتعدد وتتنوع الكتابة حول الصلاة فـي ميادينها المتعددة والمتنوعة، فالصلاة هي عمود الدين فبإقامتها تقوم حياة المسلم فـي جميع ميادينها: الإيمانية، والعقدية، والنفسية، والشخصية، والعلمية، والمعرفية، والتربوية، والاقتصادية، والسياسية، والحربية، والسلمية.

وللصلاة آثارها الفاعلة والقوية على كل ميدان من هذه الميادين، فهي إيمان وعقيدة فلا إيمان، ولا عقيدة لمن لا صلاة له، والنفس تشرق بالصلاة، وتسمو فـي مدارج كمالها الإنساني فتظهر فيها الصفات الإيجابية الطيبة التي يحبها الله تعالـى ويحبها رسوله . فتضفي على حياة صاحبها، وحياة من حوله جمالاً وبهاءً، وتختفي فيها بالمقابل الصفات السلبية.

والصلاة من أكبر الأسباب فـي تقوية الملكة، وقوة الذاكرة والحفظ، واستحضار المعلومات، وصحة الفهم، وهي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، والسلوكيات السلبية، فتظهر فـي سلوكياته صورة مشرقة للشخصية الإسلامية التربوية ذات الهدف النبيل فـي حياتها.

وللصلاة آثارها الواسعة على الميدان الاقتصادي فهي من أكبر العوامل فـي دفع دفة الاقتصاد إلـى أفضل المستويات، فالمسلم المقيم للصلاة موعود من الله تعالـى بتيسير أسباب الرزق، وهو مؤهل لأن يوفق فـي مجال حياته الاقتصادية، فالله تعالـى قد شرح صدره، ونوَّر قلبه ، ويسر أمره، فهو بذلك سوف يسير سيراً راشداً فـي حياته تلك سيراً يراعي فيه ظروف العصر ومستجداته، وتطوراته فـي المجال الاقتصادي، وهو أمر يمكنه من تطوير الأداء وحسن التوجيه والاستثمار فـي الزمان والمكان المناسبين، مما يعود على المسلم المقيم للصلاة وعلى من حوله بالخير العميم.

( د )

 
وللصلاة آثارها – كذلك – فـي ميادين الحياة السياسية، والحربية والسلمية. يقول الله تعالـى: ﴿ $pkšr'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#þqãZtB#uä bÎ) (#qà)­Gs? ©!$# @yèøgs öNä3©9 $ZR$s%öèù ﴾([2]) الآية. وهذا الفرقان يمكن المسلم المقيم للصلاة
– وإقام الصلاة من التقوى – من تصور الأشياء تصوراً صحيحاً، والحكم عليها حكماً مناسباً، والتصرف بناءً على ذلك تصرفاً راشداً، واتخاذ القرار فـي ضوء ذلك كله بما يعود على صاحبه وعلى مجتمعه وأمته بالخير والقوة والنصر والسداد سياسياً، وحربياً، وسلمياً.

إننا مطالبون – كعلماء ودعاة – أن نكثر من الحديث عن الصلاة وأهميتها، وآثارها الفاعلة على جميع ميادين الحياة فـي المجتمع المسلم، وهو أمر سيجعل المسلم  ينفتح على الطاعات، وعلى إدراك أهميتها وأثرها الفاعل فـي مجالات حياته كلها، فيقبل عليها إقبال راغب محب لها.

( هـ )

 
إن الكتابات التي كتبت فـي مجال الحث على الطاعات ركزت
– فـي أغلبها – على الأجر الأخروي، وهو أمر فـي غاية الأهمية، ولكننا ينبغي أن نضيف إليه التركيز على الآثار المترتبة على الطاعات فـي الحياة، وانعكاس ذلك على جوانبها المتعددة، وندعو الناس إلى إدراك الفروق التي تظهر فـي حياتهم بين أيام الطاعة، وبين أيام المعصية.

وفـي النهاية فإنه لا يسع العاقل إلا أن يقف حيث يجد منفعته فـي دينه ودنياه وآخرته. ولئن كان هذا البحث قد عني بالتركيز على الحديث عن الصلاة فـي ميادين: شأنها، خصائصها، فوائدها، مكانتها، وعناية القرآن بها. وكان الحديث عن مكانتها موسعاً أكثر من غيره فإن هناك مؤلفات كثيرة فـي الساحة قد عنيت بالحديث عن الصلاة من حيث الأحكام الشرعية المتعلقة بها، وليس ميدان الحديث عن الصلاة ميداناً واحداً فحسب، بل هو ميادين واسعة متعددة،
ومتنوعة، والمسلمون فـي حاجة إلى إظهار هذه الميادين من خلال الكتابة فيها، وسيكون فـي ذلك خير كثير بإذن الله تعالـى. والساحة الإسلامية فـي حاجة إلـى تنوع الكتابات وتعددها فـي المواضيع ذات الصلة
بعقيدة الأمة وإسلامها، والتي لها آثارها الفاعلة فـي شتى جوانب الحياة.

( و )

 
ولقد أحببت فـي هذا البحث أن أتحدث عن الصلاة فـي بعض ميادينها التي جاء الحديث عنها مبثوثاً فـي ثنايا البحث. والأمر لا يعدو أن يكون محاولة من المؤلف على طريق إلقاء المزيد من الضوء على تلك الميادين، فلعل فـي ذلك دعوة إلى المسلم ليزداد إدراكه لقيمة هذه الفريضة الربانية الكريمة، وشرفها وفضلها، فيقوى تعلقه بها، ويزداد إقباله عليها، وتمسكه بها. وحرصه على القيام بأمرها، فيغذ السير على طريق العبودية لله تعالـى، فينخرط فـي سلك عباد الله الصالحين المقيمين للصلاة، فينصلح بذلك حاله، ومآله، وعاجله، وآجله، وظاهره، وباطنه. فيسعد فـي دنياه وأخراه.

والله تعالـى أسأل أن يتقبل من مؤلفه، ويتجاوز عنه، بفضله ورحمته وإحسانه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

د/ سليمان الصادق البيرة

العزيزية - مكة المكرمة

فـي 20/12/1426هـ

 


متفرقات

1- الصلاة شعار العبودية:

إن الصلاة هي الشعار المتجدد كل يوم لعبودية المصلي لربه وخالقه جل جلاله، والمصلي يعلن بصلاته عن هويته الإيمانية، ويرفع ذلك الشعار الذي يشاركه فيه إخوانه المؤمنون المصلون فـي كل زمان ومكان، فالولاية معقودة بينه وبينهم، وإن تناءت الأمكنة وتباعدت الأزمنة، قال الله تعالـى:
﴿
tbqãZÏB÷sßJø9$#ur àM»oYÏB÷sßJø9$#ur öNßgàÒ÷èt/ âä!$uŠÏ9÷rr& <Ù÷èt/ 4 šcrâßDù'tƒ Å$rã÷èyJø9$$Î/ tböqyg÷Ztƒur Ç`tã ̍s3ZßJø9$# šcqßJŠÉ)ãƒur no4qn=¢Á9$# šcqè?÷sãƒur no4qx.¨9$# šcqãèŠÏÜãƒur ©!$# ÿ¼ã&s!qßuur 4 y7Í´¯»s9'ré& ãNßgçHxq÷Žzy ª!$# 3 ¨bÎ) ©!$# îƒÍtã ÒOŠÅ3ym ﴾([3]).

والولاية معقودة بين المؤمنين وبين قبلتهم فـي صلاتهم: الكعبة المشرفة بيت ربهم جل جلاله، قال تعالـى: ﴿ ÷bÎ) ÿ¼çnät!$uÏ9÷rr& žwÎ) tbqà)­GßJø9$# £`Å3»s9ur öNèduŽsYò2r& Ÿw tbqßJn=ôètƒ ﴾([4]) ويحتمل عود الضمير فـي الآية الكريمة إلى المسجد الحرام كما ذكر العلامة السعدي فـي تفسيره([5])، فالله عز وجل جعل بيته الحرام لتوحيده وعبادته وقيام دينه. فالمؤمنون يتوجهون إلـى بيت ربهم فـي صلاتهم خمس مرات فـي اليوم والليلة، يفعلون ذلك عبودية خالصة وطاعة لله جل جلاله، فهو سبحانه الذي فرض ذلك وأمر به فـي قوله تعالـى: ﴿ ÉeAuqsù y7ygô_ur tôÜx© ÏÉfó¡yJø9$# ÏQ#tysø9$# 4 ß]øŠymur $tB óOçFZä. (#q9uqsù öNä3ydqã_ãr ¼çntôÜx© 3 ﴾([6]) الآية. فالمصلي فـي صلاته يعكس صورة العبودية التي فطره عليها خالقه، فهو فـي صلاته يحقق هذه الفطرة التي يحبها الله تعالـى لأنها الفطرة التي فطر الناس عليها.

 

2- الصلاة مظهر للعبودية:

قال الحكيم الترمذي: "وأما صورتها (أي الصلاة) من الأفعال فإنها وضعت إظهاراً للعبودية، وسبباً لتطهير الموحدين، وستراً لمساوئ أعمالهم، فصُوِّرتْ أفعالها على أفعال العباد لتقابل تلك المساوئ فتسترها ليقدم غداً على ربه مستوراً. وقال تعالـى: ﴿ÉOÏ%r&ur no4qn=¢Á9$# ÇnûtsÛ Í$pk¨]9$# $Zÿs9ãur z`ÏiB È@øŠ©9$# 4 ¨bÎ) ÏM»uZ|¡ptø:$# tû÷ùÏdõムÏN$t«ÍhŠ¡¡9$# 4﴾([7])، فالعبد إنما خلق ليكون له عبداً كما خلق فيثاب على كونه هذا (أي كونه عبداً) فيصير غداً حراً ويكون فـي جوار الله ملكاً"([8]).

وقال ابن قيم رحمه الله: "ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله بحسب نصيبه من عبوديته وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية متضمنة لأقسامها كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه"([9]).

3- المؤمن يسعد بالصلاة:

والمؤمن هو من أسعد الناس وأكثرهم بهجة وسروراً بالصلاة لأنه يجد فيها ذاته حين يقف بين يدي سيده وخالقه يناجيه، ويثني عليه، ويدعوه، ويضرع إليه، ويخر بين يديه راكعاً ساجداً فـي تذلل، وخضوع، وانكسار يرجو رحمته ويطمع فـي مغفرته. وإنها للحظات من أجمل اللحظات وأطيبها فـي حياة المؤمن، فالصلاة فرضت فـي أفضل الأوقات، وأشرفها عند الله تعالـى. والله عز وجل اختار لعباده المؤمنين هذه الأوقات الشريفة عنده ليقفوا بين يديه فـي صلاتهم بهيئة شريفة تدل على كمال الذل والعبودية والتعظيم له سبحانه وتعالـى. فأي شرف أعلى من هذا الشرف؟ وأي عزة أعظم من هذه العزة؟ ينال المصلي ذلك كله ويكرم به فـي صلاته وهو يقف عبداً ذليلاً منكسراً، خاشعاً، قانتاً صاغراً لكبرياء الله تعالـى وعظمته وجبروته، إنه بعمله هذا يضع رجليه على مدارج الشرف والعزة والكرامة.

4- الصلاة ميدان العزة والكرامة:

إن الصلاة ميدان واسع من ميادين العزة والكرامة. ومن أراد العزة والكرامة فعليه بالصلاة. إن المصلي عزيز عند الله تعالـى لأنه يضع أشرف وأكرم أعضاء بدنه فـي الأرض عبودية لله تعالـى وتذللاً له جل جلاله، فالمصلي يلقى من الله الكرامة ظاهراً وباطناً، عاجلاً وآجلاً فـي الدنيا والآخرة، ويُلَقَّى يوم القيامة تحية الكرامة فـي دار الكرامة من ربه الكريم، قال تعالـى: ﴿ öNßgçG¨ŠÏtrB tPöqtƒ ¼çmtRöqs)ù=tƒ ÖN»n=y 4 £tãr&ur öNçlm; #\ô_r& $VJƒÌx. ﴾([10]) ولذلك كله وسواه عدت الصلاة (عمود الإسلام) وهي عمود عبودية المسلم لله تعالـى، فمن تركها فقد هدم عمود إسلامه، وهدم عمود عبوديته، فمن لم يصل لله تعالـى فهو متكبر من المتكبرين الذين يسيرون خلف المتكبر الأول إبليس عليه لعائن الله. فهو أول من عبَّد طريق الكبر، وأول من سار فيه، وهو ومن سار خلفه سيكون مصيرهم إلى النار مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالـى: ﴿ ¨bÎ) šúïÏ%©!$# tbrçŽÉ9õ3tGó¡o ô`tã ÎAyŠ$t6Ïã tbqè=äzôuy tL©èygy_ šúï̍Åz#yŠ﴾([11]) وعمود الصلاة: السجود.

 

5- السجود سر الصلاة وركنها الأعظم:

كان العرب قديماً يأنفون من الانحناء، فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه، فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أُمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم، ويزول كبرهم، ويستقر التواضع فـي قلوبهم.

قال ابن قيم رحمه الله: (وشرع السجود على أكمل الهيئة وأبلغها فـي العبودية، والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة الركعة وما قبله من الأركان كالمقدمات له فهو شبه طواف الزيارة فـي الحج فإنه مقصود الحج ومحل الدخول على الله وزيارته وما قبله كالمقدمات له. ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأفضل الأحوال له حالٌ يكون فيها أقرب إلـى الله، ولهذا كان الدعاء فـي هذا المحل أقرب إلـى الإجابة، ولما خلق الله سبحانه العبد من الأرض كان جديراً بأن لا يخرج عن أصله بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه، فإن العبد لو تُرك لطبعه ودواعي نفسه لتكبر وأشر، وخرج عن أصله الذي خلق منه، ولوثب على حق ربه من الكبرياء والعظمة فنازعه إياهما، وأُمر بالسجود خضوعاً لعظمة ربه وفاطره، وخشوعاً له، وتذللاً بين يديه وانكساراً له فيكون هذا الخشوع والتذلل رداً له إلى حكم العبودية، ويتدارك ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض الذي خرج به عن أصله فتمثل له حقيقة التراب الذي خُلق منه وهو يضع أشرف شيء منه وأعلاه وهو الوجه وقد صار أعلاه أسفله خضوعاً بين يدي ربه الأعلى وخشوعاً له، وتذللاً لعظمته واستكانة لعزته، وهذا غاية خشوع الظاهر)([12]).

6- حاجتنا إلى الصلاة:

إننا بحاجة ماسة إلـى ضرورة أن ندرك شأن الصلاة وأثرها وخطرها فـي حياتنا، لأننا ومن خلال هذا الإدراك سوف نحرص على أدائها ولا نفرط فيها. إننا من خلال ذلك سوف نعرف أننا محتاجون إلـى الصلاة أكثر من احتياجنا إلـى الماء والهواء والشراب والطعام فهذه كلها تغذي الجسم، والصلاة تغذي أرواحنا وقلوبنا. ونحن إنما نسعد فـي الدنيا والآخرة بغذاء وسعادة أرواحنا وقلوبنا. فالكفار أجسامهم صحيحة ولكن أرواحهم ميتة قال الله تعالـى:
﴿
öNßg1ts?ur tbrãÝàZtƒ y7øs9Î) öNèdur Ÿw tbrçŽÅÇö7ム﴾([13]) وقال سبحانه: ﴿ ¨bÎ) §ŽŸ° Éb>!#ur£9$# yYÏã «!$# tûïÏ%©!$# (#rãxÿx. ôMßgsù Ÿw tbqãZÏB÷sム﴾([14]). وقال سبحانه: ﴿ bÎ)ur (#÷rttƒ $Zÿó¡Ï. z`ÏiB Ïä!$uK¡¡9$# $VÜÏ%$y (#qä9qà)tƒ Ò>$ysy ×Pqä.ö¨B ﴾([15]) .

7- الصلاة ميدان التطهير  والتزكية:

فالصلاة جعلها الله تعالـى ميداناً لتطهير النفس وتهذيبها، وسبيلاً لإصلاحها، وتزكيتها وإصلاح ما بها من خلل وعوج، وعلاج أمراضها، وعللها، وذلك أن للذنوب أثراً رهيباً فـي التأثير على سلامة النفس وقوتها، ونضارتها ونظافتها، ونقائها وجمالها، وسلامة إدراكها، وحُسن تصورها. والصلاة جعلها الله تعالـى سبباً لإزالة هذا التأثير وإذهابه، ولعل ذلك يدل عليه قول المصطفى : (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شي، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)([16]).

وهذا الحديث الشريف يدل على وظيفة الصلاة وأثرها فـي حياة صاحبها وفيه تمثيل المعقول بالمحسوس، ليظهر المعقول فـي صورة المحسوس اعتناءً بشأنه وبياناً لأهميته وتعميقاً لصورته ومعناه فـي حس المخاطب. والحديث بدلالاته وأبعاده، وإيماآته يتجاوز أبعاد الصورة الظاهرة فـي ذهن المخاطب والمتصلة بإزالة الماء المغتسل به كل يوم خمس مرات للدرن أي الوسخ المتراكم على الجسم إلـى الأبعاد المتصلة بما وراء ذلك وهي الأبعاد التي تتناول ميدان النفس، والعقل والقلب، وذلك وسواه يدل على سعة العلم النبوي الشريف بأسرار العبادات، وبأسباب علاج النفوس  من أمراضها. إن الماء هو سبب الحياة، وإذا وجد فإنه توجد معه الحياة بما تعنيه من الحركة، والفاعلية، والنشاط، والجمال، والذوق، والإحساس بقيمة الحياة، وبوجود الماء يتحرك الناس لنظافة أبدانهم، وبيوتهم وملابسهم، وشأنهم كله: مسكناً، ومركباً، ومطعماً، ومنتزهاً، ومظهراً.

والإنسان النظيف فـي بدنه، وشأنه الظاهر مظهر جميل تحبه النفوس التي تعشق النظافة، وترتاح إليها، وبالمقابل فإن الوسخ تنفر منه الطباع السليمة وتأباه النفوس الكريمة،  ووسخ الظاهر فـي الغالب دليل على قابلية الباطن له. والوسخ هو البيئة التي تتراكم وتتزاحم وتتوالد وتتكاثر فيها الجراثيم والطفيليات والميكروبات، وهي تشكل ضيقاً وعبئاً وثقلاً على النفس والعقل والقلب والروح، وكل شيء يوجد  بوجود أسبابه إلا ما شاء الله خلافه،  وهكذا وجود الوسخ وما يتسبب عنه. والإنسان المتسخ فـي ظاهره هو دائماً ضيق البال، مضطرب الحال، وآثار ذلك كله تنعكس على شخصيته وعلى عافيته، وعلى نفسه وقلبه وعقله وروحه، ومن ثم على عمله كله.

ولعله من خلال ما تقدم بيانه يمكن أن ندرك الأثر الفعال الذي تحدثه الصلاة فـي حياة صاحبها بناءً على فهم هذا الحديث الشريف طهارة، ونقاءً وصفاءً وجمالاً وبهاءً فـي الظاهر، والباطن، فإن الاغتسال كل يوم خمس مرات من نهر غمر جار سيذهب بكل أثر مهما كان نوعه، وبكل الأوساخ العالقة بالبدن، وسينمحي بناءً على ذلك كل أثر يترتب على هذه الأوساخ الظاهرة، وسوف ينشأ عن هذه النظافة المتكررة كل يوم الخفة والنشاط فـي البدن والانشراح فـي النفس.

والخطايا والذنوب هي بمثابة الجراثيم والميكروبات والطفيليات التي تفعل فعلها فـي البدن المتسخ فتفتك بقواه وتوهنه وتجعله بدناً مريضاً غير قادر على أداء وظيفته فـي الحياة، فما تحدثه الذنوب والخطايا – إن لم يتب منها – من أثر مدمر على ظاهر المذنب وباطنه أمر معلوم مشاهد فـي الواقع لا يخفى إلا على النائمين والغافلين. وقد أفاض ابن قيم رحمه الله تعالـى فـي بيان الآثار المدمرة للذنوب والمعاصي إفاضة بديعة فـي كتابه الجميل: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي).

وتأتي الصلاة مفروضة من الله تعالـى على عباده المؤمنين فـي اليوم والليلة خمس مرات لتمحو بإذن الله تعالـى تلك الذنوب والمعاصي وتذهب بكل آثارها المترتبة عليها فيخرج المصلي بإقامة الصلاة من تلك الذنوب والمعاصي نظيفاً كيوم ولدته أمه كما يخرج من الأوساخ العالقة ببدنه من يغتسل من نهر جار أمام بيته كل يوم خمس مرات.

8- الصلاة صلة بين العبد وربه :

ولعل هذا يقودنا إلى تدبر أسرار ومعاني دوام التكليف بها وتكرار ذلك خمس مرات في اليوم والليلة، وذلك التدبر لا يجيء من فراغ، ولكنه يترتب على معرفة تلك الصلة الفريدة العجيبة القائمة بين العبد والرب سبحانه وتعالـى والتي يصفها العلامة الندوي أبو الحسن فـي كتابه الرائع: (الأركان الأربعة) بقوله: (إنها صلة غريبة فريدة لا نظير لها ولا مثال، إنها لا تقاس على صلة بين طرفين وبين اثنين فـي هذا الوجود، إنها لا تقاس على صلة بين صانع ومصنوع، وبين حاكم ومحكوم وبين قوي وضعيف، وبين فقير وغني، وبين مستجد مكد وبين جواد منعم فحسب، إنها صلة أدق من جميع هذه الصلات وأعمق وأقوى وأشمل، ولا يفهم هذه الصلة الغريبة الفريدة بين العبد والرب إلا من عرف صفة العبد وصفة الرب، والصلة دائماً تابعة للصفة نابعة منها، إنك لا تستطيع أن تحدد صلة بين طرفين، وبين اثنين، إلا إذا عرفت صفة كل واحد منهما، وعرفت التفاوت أو التفاضل بينهما، وعرفت مقدار احتياج أحدهما إلى الآخر، وفضل أحدهما على الآخر، وجميع الصلات التي نمارسها فـي الحياة والتي تشكل القانون، وتكوِّن المدنية، وتصوغ المجتمع خاضعة للصفات التي نعرفها أو نتوهمها للأفراد والكائنات أو أعضاء الأسرة أو ذوي السلطان)([17]).

وإذا كانت الصلات قائمة على معرفة الصفات، ونابعة منها كما عرفنا فإنه يمكننا إدراك بعض الأسرار والحِكم والمعاني المتصلة بفرض الصلاة على المسلم فـي اليوم والليلة خمس مرات، علماً بأن العلم بحقيقة ذلك عند الله تعالـى، والمسلم مدعو إلى إعمال الفكر والنظر والتأمل وصولاً إلى إدراك بعض المعاني الكريمة، وتلمساً لبعض الحِكم والأسرار بقدر ما يفتح الله تعالـى عليه من الفهم فـي هذا الأمر وسواه.

9- الصلاة طريق يدلنا على الله :

إنني أكرر القول باستمرار بأن مشكلتنا التي تواجهنا فـي طريق سيرنا إلى الله تعالـى – وهي كثيراً ما تعوقنا فـي هذا السير – هي عدم معرفتنا بأسماء الله سبحانه وصفاته الكريمة معرفة نتربى بها ونتزكى على طريق العبودية لله سبحانه، وجميع المظاهر السلبية فـي حياة أمتنا على مستوى الأفراد وسواهم إنما هي ناتجة عن ذلك أي عن عدم هذه المعرفة، وذلك أننا فـي أمس الحاجة إلى هذه المعرفة معرفة نتربى ونتزكى بها أيضاً على طريق العلم بالله تعالـى وبصفاته الكريمة، وبأسمائه العظيمة، حتى ترتفع نفوسنا بهذا العلم تربية وتزكية فتعانق أنوار وأسرار هذا العلم إيماناً بالله تعالـى وحباً وخشية وتعظيماً له سبحانه، واستجابة لأمره، وعبودية مطلقة له جل جلاله، وخوفاً وحياءً منه يستولي ذلك كله على نفوسنا ومشاعرنا وعواطفنا وآمالنا فنقف عند حدوده ونواهيه، ونتقرب إليه بما أمر من الفرائض والطاعات وسائر القربات. فتتكون لدينا بهذا العلم قوة قلبية ونفسية نستعلي بها على المحرمات مهما كانت مغرية، ونستجيب بها لأمر الله كله فـي طواعية كاملة، وعبودية مطلقة مع كمال الذل والحب لله سبحانه وتعالـى.

ومن شأن ذلك العلم أن يقوي فـي نفوسنا اليقين بأننا والخلق أجمعين وجدنا برحمة الله تعالـى وقدرته، فهو الذي خلقنا فـي أحسن تقويم ومنحنا العقل وسلامة الأبدان والأعضاء، ويسر لنا سبل معايشنا ويسر الكون من حولنا، وأعطانا من كل ما سألناه تفضلاً منه وإحساناً من دون سابقة عمل من أحد، وبرغم المعاصي والمخالفات والذنوب التي يحدثها الناس فـي حياتهم، فإن عطاء الله الشامل لخلقه جميعاً  مستمر.

فتسخير الشمس والقمر، وتذليل الأرض، وجعلها مستقراً ومهاداً وكفاتاً للخلق أحياء وأمواتاً، وتسخير البحار والأنهار، وتيسير الأرزاق، كل ذلك وسواه لم يتوقف. وعلى ذلك فالخلق محتاجون إلـى الله تعالـى خالقهم احتياجاً أصلياً فـي كل شيء لا يستغنون عن رحمته طرفة عين، فهو جل جلاله الخالق، الرازق، المسيطر، المدبر،  الرافع الخافض، المعز المذل، القابض، الباسط، المحيى المميت، النافع الضار، المنتقم العزيز الجبار، العلي الكبير، عالم الغيب والشهادة لا تخفى عليه خافية فـي الأرض ولا فـي السماء، وهو بكل شيء عليم، ولا يعجزه شيء فـي الأرض ولا فـي السماء وهو على كل شيء قدير، وهو جل جلاله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن المتكبر، كل شيء بعلمه وإرادته وتقديره، وكل شيء خاضع خضوعاً مطلقاً لمشيئته وإرادته. الخلق خلقه، بيده حياتهم، ومعاشهم، وأرزاقهم، ومماتهم، وملكوت كل شيء بيده، وإليه مرجع الخلق ومصيرهم، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً، وما لهم من دونه من ولي ولا نصير، وكل شيء هالك إلا وجهه، فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. خلق خلقه فأحصاهم عدداً، وقدر أرزاقهم فلم ينس أحداً، رحمته وسعت كل شيء، وسعت المؤمنين والكافرين على السواء.

10- الإنسان أمام بعض صفاته :

وإذا كانت هذه بعض أسماء وصفات الرب عز جلاله فما هي بالمقابل صفات المخلوقين من الإنس الذين فرض الله تعالـى على المكلفين منهم الصلاة خمس مرات فـي اليوم والليلة؟ ولا شك أن كل واحد من هؤلاء المخلوقين يعرف صفات جنسه من خلال معرفته بصفات نفسه.

إننا حين نتكلم عن هذه الصفات أو بعضها فإنما نتكلم عن شيء موجود نحسه ونراه فـي كل لحظة من حياتنا، فهو ليس شيئاً خارجاً أو بعيداً عنا ولكنه شيء ينبع من نفوسنا ويظهر فـي مقالنا وسلوكنا وفعالنا، وكثير من الناس – إلا ما رحم الله – تغلب عليهم صفات الجهل، والحمق، والجشع، والطمع، والغفلة، والغضب، والنسيان، والغطرسة، والكبر، والضعف، والعجز، والفقر، والجحود، وغلبة الشهوة، والتسرع، والعجلة فـي الأمور وفـي الحكم عليها، وعلى الآخرين، والعجب، ونقض العزيمة، والجمع بين الشيء وضده، والإعجاب بالظاهر، والتهافت على الدنيا وملذاتها. والانبهار بجمالها، والضعف أمام هذا الجمال وفقدان العزيمة أمام المال وما يقاربه وحب الدنيا وكراهية الموت.

فهذه الصفات السلبية فـي الإنسان – إلا ما رحم الله – وغيرها كثير وكثير، ولو تُرك هذا الإنسان يتحرك بصفاته تلك دون أن يكون له فـي يومه وليله وقفات مع ربه يتخلص بها من هذه الصفات أو بعضها لهلك وأهلك غيره علماً بأن بعض هذه الصفات يستمد وجوده من الإنسان نفسه فهي تتقوى بالطعام والشراب، والصلات مبنية على الصفات.

11- الصلاة ضرورة لا بد منها :

فمن عرف صفات ربه جل وعلا وعرف صفاته كإنسان أيقن يقيناً جازماً أن وقوفه بين يدي ربه فـي الصلاة المفروضة عليه فـي اليوم والليلة خمس مرات ضرورة حتمية لا يستغني عنها بحال مهما كانت ظروفه وأحواله اللهم إلا أن يغيب عقله. فالصلاة بالنسبة إليه ضرورة إيمانية، وضرورة نفسية، وضرورة أخلاقية، وضرورة عقلية، وضرورة روحية، وضرورة وجدانية، وضرورة شخصية، وضرورة صحية تشمل صحة ظاهره وباطنه، والمؤمن هو المرشح لإدراك ذلك كله وسواه ومعرفته، ولذلك وصف الله تعالـى المؤمنين بإقامة الصلاة، وبالمحافظة والمداومة عليها فـي القرآن الكريم فـي آيات كثيرة دليلاً واضحاً على مدى وعيهم وفهمهم لصفات ربهم ولصفاتهم فأيقنوا باحتياجهم إلـى الله تعالـى، وأدركوا قيمة النعمة التي أنعمها الله تعالـى عليهم حيث أكرمهم وشرفهم بالوقوف بين يديه خمس مرات فـي اليوم والليلة، ليطهرهم بذلك الوقوف ويذهب عنهم شرور أنفسهم ويرفع درجتهم فتزكو أنفسهم على طريق العبودية له جل جلاله.

 

12- الصلاة نعمة الله على عباده :

إن الصلاة نعمة كبرى من نعم الله تعالـى على عباده المؤمنين، فهم يعظمون شأن هذه النعمة، ويقدرونها ويحفلون بها ويهتمون ويغتمون لها، وهي فـي بؤرة شعورهم وفـي سويداء قلوبهم، يرقبون أوقاتها فـي جميع أحوالهم، وينظمون حركتهم بناءً على هذه الأوقات، وغير المؤمنين من المسلمين يختلفون فـي موقفهم من الصلاة: فمنهم النشط، ومنهم المتوسط، ومنهم المتكاسل، وذلك بناءً على فهمهم لصفاتهم ولصفات ربهم سبحانه وتعالـى، وصِلاتهم بربهم مؤسَّسة على أساس فهم هذه الصفات. فالصلات مبناها على معرفة الصفات. والإنسان إنما يقترب من غيره من الناس أو يبتعد بناءً على معرفته بصفاتهم التي على ضوئها يدرك أنه فـي حاجة إليهم فيكون وصله لهم وإقباله عليهم، أو أنه ليس فـي حاجة إليهم فيكون ابتعاده منهم أو إعراضه عنهم.

والإنسان من حيث هو إنسان يبحث دائماً عن مصلحته وهو فـي هذا الأمر ذكي يقظ، وهذه فطرة فيه، والله تعالـى راعى هذه الفطرة فـي بني الإنسان فجاءت التكاليف فـي الإسلام بالفعل لما أحل الله، أو الترك لما حرم مشمولة بالأجر العظيم، والعطاء العميم، والثواب الجزيل من الله تعالـى لمن امتثل هذه التكاليف حتى يقبل المكلفون عليها بحماس وامتثال.

13- الصلاة ميدان العطاء الإلهي:

والصلاة هي الصلة بين العبد وربه، وهي صلة تدل على فهم وعقل العبد لشأنه ومكانه، وأنه عبد لا قيمة له من دون سيده، فكما أن العبد محتاج إلى سيده من الناس فـي كل أموره، فكذلك هذا العبد المصلي هو محتاج لربه سبحانه فـي كل شيء لأن ربه يملك كل شيء وهو (أي العبد المصلي) فقير فـي كل شيء.

وفـي الصلاة ينال هذا العبد من ربه سبحانه الخيرات والعطايا والهبات، ويفاض عليه من رحمة ا لله وفضله ما يكون سبباً لجبر كسره، وستر عواره، وإصلاح خلله، وشفاء مرضه، ومعافاة بلائه، وسد فقره، وجمع متفرقه، ولم شعثه، وتسكين حيرته، وإذهاب شروره، وتطهير قلبه، وتزكية نفسه، ورفعة منزلته، ونصره، وتأييده، وإنزال السكينة عليه، وإذهاب وحشته، ووساوسه وشروره كلها، وبالجملة يكون صلاح أمره ظاهراً وباطناً. وعلى قدر تنور القلب بالإيمان يكون إدراك ثمرة وفائدة وأثر الصلاة فـي الظاهر والباطن.

وسيدنا رسول الله يقول: (وجعلت قرة عيني فـي الصلاة)([18]) الحديث. وهو بيان نبوي كريم ينوه بأهمية وشأن وأثر الصلاة وما تحدثه فـي حياة صاحبها من أسرار وخيرات وبركات لا يحيط بها إلا الله تعالـى.

14- التهاون فـي الصلاة دليل الجهل بالله تعالـى وبحقيقة الإنسان:

ولذلك فإننا يمكن أن نؤسس – بناء على ما تقدم – القول بأننا إذا رأينا إنساناً مسلماً يتهاون فـي إقامة الصلاة فإننا ندرك أن ذلك التهاون منه ناتج عن جهله بربه تعالـى وبصفاته العلى وبأسمائه الحسنى، وناتج فـي ذات الوقت عن جهله بمعرفة حقيقته هو كإنسان خلق لغاية لا يصلح إلا بأدائها، ألا وهي العبودية لله تعالـى، والصلاة هي المظهر العملي اليومي لهذه العبودية، ولذلك فإن حاجة عباد الله المؤمنين إلى الصلاة كحاجة السمك إلى الماء، وحاجة الإنسان إلى الغذاء والهواء.

قال الحكيم الترمذي فـي كتابه "الصلاة ومقاصدها": (فكل صلاة هي توبة، وما بين الصلاتين غفلة وجفوة، وزلات، وخطايا، فبالغفلة يبعد (أي العبد) من ربه، فإذا بعد أشر وبطر، لأنه يفتقد الخشية والخوف، وبالجفوة يصير أجنبياً، وبالزلة يسقط وينزلق قدمه فتنكسر، وبالخطايا يخرج من المأمن فيأسره العدو. فأفعال الصلاة مختلفة على اختلاف الأحوال التي جاءت من العبد، فبالوقوف يخرج من الإباق لأنه لما انتشرت جوارحه نقصت تلك العبودية، وأبق من ربه، فإذا وقف بين يديه فقد جمعها من الانتشار ووقف للعبودية فخرج من الإباق، وبالتوجه إلى القبلة يخرج من التولي والإعراض، وبالتكبير يخرج من الكبر، وبالثناء يخرج من الغفلة، وبالتلاوة يجدد تسليماً للنفس وقبولاً للعهد، وبالركوع يخرج من الجفاء، وبالسجود يخرج من الذنب، وبالانتصاب للتشهد يخرج من الخسران وبالسلام يخرج من الخطر العظيم)([19]).

فالصلاة هي واحة المؤمن وخندقه، ومعقله ومفزعه ومأمنه، ومكان صعود عمله، ومكانه فـي الصلاة هو خير مكان له فوق الأرض، وهو المكان الذي يبكي عليه عند وفاته، ويشهد له يوم القيامة.

15- تعريف الصلاة دال على إلزام المكلف بها مدة حياته:

وتتعانق حاجة المؤمن للصلاة وعدم انفكاكه عنها ما دام حياً مع تعريف الصلاة نفسها فمن بين التعاريف لأصل كلمة الصلاة: اللزوم، جاء فـي لسان العرب للعلامة ابن منظور رحمه الله قوله: (وقال الزجاج: الأصل فـي الصلاة: اللزوم يقال: قد صلي واصطلى إذا لزم ومن هذا من يُصلى فـي النار أي: يُلزم النار، وقال أهل اللغة فـي الصلاة: إنها من الصلوين وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها، وأول موصل الفخذين من الإنسان، فكأنهما فـي الحقيقة مكتنفا العصعص، قال الأزهري: والقول عندي هو الأول، وإنما الصلاة لزوم ما فرض الله تعالـى)([20]).

ولا يصادم هذا التعريف التعاريف الأخرى لأصل كلمة الصلاة فـي اللغة، وقد أفاض صاحب لسان العرب فـي بيان تلك التعاريف وملخص ذلك أن تلك التعاريف تدور بين معاني: الركوع والسجود، والدعاء، والتعظيم، وكل ذلك موجود فـي الصلاة فلا تضاد بين تلك  التعاريف، فكل واحد منها من قبيل البيان، وهي كلها موجودة فـي تعريف الصلاة بمعناها الشرعي عند الفقهاء من حيث إنها أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، على أن الزبيدي فـي تاج العروس([21]) اعتبر أن معنى الدعاء هو أصل معاني الصلاة.

ولقد كانت عناية القرآن الكريم بأمر الصلاة عناية بالغة تمثلت فـي ذلك الحشد الهائل من الآيات الكريمة التي ورد فيها ذكر الصلاة فـي مواضع قاربت مائة موضع فهي أهم ركن فـي الإسلام بعد الشهادتين، بل هي تجمع أركان الإسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


خصائص الصلاة

 

إن من يتأمل خصائص الصلاة فـي الإسلام سيجد أنها جاءت لتتعانق مع مسئولية الأمة الإسلامية التي جعلها الله تعالـى خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، كما بين ربنا تعالـى فـي كتابه الكريم بقوله سبحانه: ﴿ öNçGZä. uŽöyz >p¨Bé& ôMy_̍÷zé& Ĩ$¨Y=Ï9 tbrâßDù's? Å$rã÷èyJø9$$Î/ šcöqyg÷Ys?ur Ç`tã ̍x6ZßJø9$# tbqãZÏB÷sè?ur «!$$Î/ 3 ﴾([22]) كما جعل سبحانه مسئوليتها فـي الدعوة والقيادة مسئولية قائمة إلى قيام الساعة ولكل الناس فـي كل الأحوال والأمكنة والأزمنة.

ونبي هذه الأمة عليه صلوات الله وسلامه بُعث إلى الناس كافة، كما قال الله تعالـى: ﴿ !$tBur y7»oYù=yör& žwÎ) Zp©ù!$Ÿ2 Ĩ$¨Y=Ïj9 #ZŽÏ±o0 #\ƒÉtRur £`Å3»s9ur uŽsYò2r& Ĩ$¨Z9$# Ÿw šcqßJn=ôètƒ ﴾([23]) والقرآن الكريم هو كتاب الله عز وجل الباقي والمحفوظ من كل تبديل أو تحريف بإذنه سبحانه وتعالـى، وما كان محفوظاً إلا لأنه باقٍ إلى قيام الساعة فهو دستور الأمة الخالد الذي يهديها فـي سيرها وحركتها لكل ما هو أقوم وأكرم. قال تعالـى: ﴿ ¨bÎ) #x»yd tb#uäöà)ø9$# Ïöku ÓÉL¯=Ï9 šÏf ãPuqø%r& ﴾([24]) الآية ، وقال جل جلاله: ﴿ ¼çm¯RÎ)ur ë=»tGÅ3s9 ÖƒÌtã ÇÍÊÈ žw ÏmÏ?ù'tƒ ã@ÏÜ»t7ø9$# .`ÏB Èû÷üt/ Ïm÷ƒytƒ Ÿwur ô`ÏB ¾ÏmÏÿù=yz ( ×@ƒÍ\s? ô`ÏiB AOŠÅ3ym 7ŠÏHxq﴾([25])، وقال سبحانه: ﴿ ë=»tGÅ2 çm»oYø9tRr& y7øs9Î) yl̍÷çGÏ9 }¨$¨Z9$# z`ÏB ÏM»yJè=à9$# n<Î) ÍqY9$# ÈbøŒÎ*Î/ óOÎgÎn/u 4n<Î) ÅÞºuŽÅÀ ̓Íyèø9$# ÏÏJptø:$# ﴾([26]).

ومن تأمل خصائص الصلاة فـي الإسلام وجدها تواكب هذه المسئولية العالمية الباقية للأمة فـي الدعوة لدين الله تعالـى وقيادة الأمم الأخرى نحو الهداية لهذا الدين الخالد الحق. ونحن لا يمكننا أن نحيط عداً ووصفاً بكل هذه الخصائص، وحسبنا أن نورد فيما يلي بعض هذه الخصائص ومن ذلك :

1- أنها ربانية المصدر: فالله تعالـى هو الذي فرضها على المؤمنين. قال تعالـى: ﴿ ¨bÎ) no4qn=¢Á9$# ôMtR%x. n?tã šúüÏZÏB÷sßJø9$# $Y7»tFÏ. $Y?qè%öq¨B ﴾([27]) وقال جل من قائل: ﴿ ÉOÏ%r&ur no4qn=¢Á9$# ( žcÎ) no4qn=¢Á9$# 4sS÷Zs? ÇÆtã Ïä!$t±ósxÿø9$# ̍s3ZßJø9$#ur 3 ﴾([28]) وقال سبحانه: ﴿ ÉOÏ%r& no4qn=¢Á9$# Ï8qä9à$Î! ħôJ¤±9$# 4n<Î) È,|¡xî È@ø©9$# tb#uäöè%ur ̍ôfxÿø9$# ( ¨bÎ) tb#uäöè% ̍ôfxÿø9$# šc%x. #YŠqåkôtB ﴾([29]) وقال عز من قائل: ﴿ z`»ysö6Ý¡sù «!$# tûüÏm šcqÝ¡ôJè? tûüÏnur tbqßsÎ6óÁè? ÇÊÐÈ ã&s!ur ßô